انهيار وسقوط الإمبراطورية الساسانية

بقلم: پروانه پور شریعتی

في تاريخ إيران، هناك فترات لا تشكّل فيها سلسلة حاكمة فحسب، بل صورة من القوة والهوية والمثل. الساسانيون هم من هذا النوع ، آخر إمبراطورية كبرى في إيران قبل الإسلام، التي خلال أكثر من أربعة قرون، وصلت بمفهوم الدولة المركزية وعظمة الملكية وارتباط الدين بالسياسة إلى ذروتها. ثم انهارت بنفس السرعة التي صعدت بها. الكتاب الذي يتناول هذا التقرير ليس مجرد سرد لسلالة حاكمة بل هو تحليل لدورة تاريخية، يولد فيها القوة والتثبت، وفي النهاية تنفصل تحت وطأة التناقضات الداخلية والضغوط الخارجية.

نشأت الساسانيون من تحت الفوضى والتمزق السياسي مع أردشير بابكان، واعتبروا أنفسهم ورثة إيران‌شهر، وهو مفهوم لا يتعلّق بالجغرافيا فقط بل كان يمثل رؤية كونية. كان الملك ممثلًا للنظام الكوني والدين الزرادشتي، وأصبح ركيزة الشرعية السياسية، حيث نشأ جهاز إداري وعسكري وديني مترابط استمر لقرون. يُظهر هذا الكتاب كيف أن الإصلاحات الإدارية والنظام الطبقي والاقتصاد الزراعي والجيش المنظم، جعلت الساسانيين خصمًا قويًا للرومان؛ صراعاً شمل ميادين المعارك والدبلوماسية والثقافة بل حتى حدود الفكر.

لكن نقطة القوة وبمرور الوقت، تحولت إلى نقطة ضعف، تركيز السلطة، التشدد الطبقي، تراكم الثروات في يد النخب، والارتباط المفرط بين السياسة والمؤسسة الدينية، أنشأ مجتمعًا يفتقر إلى المرونة في مواجهة الأزمات.

يرى الكتاب أن سقوط الساسانيين لم يكن نتيجة هزيمة مفاجئة، بل نتيجة تآكل تدريجي ،هذا التآكل الذي تفاقم بفعل الحروب الطويلة، والتمردات الداخلية، وعدم استقرار الخلافة، وسخط المجتمع، وأدى في النهاية، عند مواجهتهم لقوة جديدة ومنتعشة من الجنوب إلى انهيارهم. وتكمن أهمية هذا العمل في أنه لا يختزل ظهور الساسانيين وزوالهم في سرد تاريخي أو ملحمي فقط.

الكاتب يرى التاريخ كمرآة لليوم:

هناک سؤال عن طبيعة السلطة، استدامة الدول، والعلاقة بين القوة والعدالة؛ هذا التقرير حول الكتاب هو دعوة لقراءة الساسانيين ليس كحقبة بعيدة، بل كتجربة حية ما زالت تتحدث معنا.

تم تنظيم حدث حوار حول كتاب "انهيار وسقوط الإمبراطورية الساسانية"، الذي نشرته دار "ني" للنشر ، من تأليف بروانه بورشريعتي وترجمة آوا واحدي نوايي، يوم الجمعة 28 من شهر أذر 1404 الهجري الشمسي، بحضور زاغرس زند، وميثم لُباف خانكي، وآوا واحدي نوايي، ومحمد علي نيازي في مكتبة فرهنکیان فرشته. وفي هذا الحدث، ظهرت الكاتبة عبر فيديو من كلية تكنولوجيا نيويورك.

وفي بداية البرنامج، قال محمد علي نيّازي، أمين الجلسة: إن مسألة وقوع الحرب وفتح العرب لإيران في هجومٍ منهم هي مسألة أوسع بكثير مما تذكره هذه الأقوال. كيف أن الإمبراطورية التي كانت في وقتٍ من الأوقات قوة كبيرة، وكانت تخوض الحروب ضد الإمبراطورية الرومانية وتحقق الانتصارات عليها، كيف تم هزيمتها من قبل العرب وفتحت إيران على أيديهم؟

وقد تناولت السيدة بورشريعتي هذا الموضوع بتفصيل.

وأضاف قائلاً: على الرغم من أننا نعتز بثقافتنا الغنية في العصور القديمة، إلا أننا يجب ألا نقلل من شأن الحقبة التي تلتها ويجب علينا أن نفخر بتاريخ بلادنا من الجانبين، قبل وبعد الإسلام.

أول متحدث في البرنامج، پروانه بور‌شريعتی، تحدثت عن هذا العمل قائلة: كان من الصعب عليّ أن أستوعب أن مشروع الانضمام إلى الإسلام استغرق قرناً واحداً فقط؛ في حين أن الأمر في الأديان الأخرى يستغرق على الأقل من ثلاثة إلى ستة قرون ليبدأ بعض الناس في التوجه نحو الإسلام. قمتُ بدراسة بعض البيانات التي كانت تقول إن العرب قد استقروا في جميع مناطق خراسان. وعندما تابعت هذا الأمر، اكتشفت جغرافيا خراسان ووجدت أنها كانت ساحة لثورة العباسيين. فتبين لي أن العرب لم يكونوا مستقرين في جميع أنحاء خراسان، بل كانوا يتركزون أكثر في المناطق الحدودية عند سفوح جبل قرا داغ. وفي منطقة أخرى، كان العرب يتركزون في بلخ وسمنغان والمناطق المحيطة بها. وقد طرحت على نفسي سؤالاً: لماذا في الفترة التي حدث فيها الهجوم العربي، بقي الناس في طوس في أماكنهم؟ وفي تلك الفترة لم أتمكن من العثور على إجابة قاطعة لهذا السؤال.

قال بورشريعتي: في رحلتي إلى تلك المنطقة، قلت لدليلي إن جبال خراسان الكبرى تُقسّم إلى جزئين، وأنا لم أكن أعرف بالضبط ماذا أسميهما لتوضيح هذه المسألة بشكل جيد. فاقترح أن أقسّمها إلى خراسان الخارجية وخراسان الداخلية، ومن ثم أدركت أن العرب كانوا يعيشون في خراسان الخارجية. وعندما كنت أراجع المصادر المختلفة، واجهتني فكرة مفادها أن العصر الإسلامي بدأ بعصر العرب، ولكن على عكس خراسان الخارجية، لم ينشِئوا مساجد في طوس ونيسابور، وكان أول مسجد يُبنى في فترة العباسيين.

قال المتحدث التالي في البرنامج، زاغرس زند، مشیراً إلی أبرز نقاط الكتاب وقال:

يبدو أن هذا الكتاب كان مهماً منذ أن تم تأليفه، وهو كتاب متخصص للغاية ويحتوي على سؤال رئيسي وأسئلة فرعية هامة جداً، كما يتضمن فرضية ويهدف إلى الوصول إلى نتائج منطقية وعلمية من خلال طرح هذه الفرضية والأسئلة بشكل مستدل ومنصف.

وتابع زند قائلاً: النهج الذي يتبعه هذا الكتاب هو نهج نقدي؛ فكل التحليلات والاستنتاجات التي يقدمها الكاتب تعتمد على هذا النهج النقدي والعلمي. تناول الكتاب فكرة أو نظرية في مجال مهم من مجالات الدراسات الإيرانية التي كانت قد أصبحت بمثابة نموذج أو قالب جامد، وهدفه هو تحدي هذا النموذج. إن نقد أهم نظرية حول الساسانيين، والتي توقفت الدراسات حولها تقريباً، وطرح نظرية جديدة بدلاً منها، يمكن أن يساهم في كسر هذا الفهم التقليدي وهذه الحركة العلمية والفكرية ستكون مثيرة للغاية بالنسبة للباحثين.

قال: هذا الكتاب يهدف إلى إزالة بعض الغموضات أيضاً؛ بمعنى أن الهدف ليس فقط نقد وتحدي نظرية معينة وتحريفها، بل في نفس الوقت الذي نستخدم فيه مصطلح التوقف، هناك العديد من الغموضات. أحياناً تُنسى التناقضات أو يُعتقد أنها غير قابلة للحل، ولا نجد وثائق تاريخية في هذه المجالات، لذا يتم تجاهلها؛ في حين أن الأسئلة الفرعية لهذا البحث قد أخرجت بعض هذه الغموضات من حالة العقم وأعطت في بعض الحالات إجابات جيدة عليها.

وفيما يخص المناهج والمصادر المستخدمة في الكتاب، قال: جودة وكمية المصادر المستخدمة عالية جداً. في هذا العمل، تم الاستفادة من مصادر قديمة نادراً ما تُستخدم، مثل المصادر اليونانية والرومانية والسريانية، وخاصة الأرمينية، وقد تم استخدامها بشكل جيد. وهذه المصادر التاريخية العديدة بالإضافة إلى استخدام مصادر غير مكتوبة وغير تاريخية مثل علم السِّكّات وعلم الأختام وعلم الآثار ساعدت كثيراً في فهمنا للتاريخ والثقافة في فترة الساسانيين. النقطة الأخرى هي الاستخدام الصحيح والمناسب لشاهنامه، الذي لا يساعد في البحث فقط، بل يظهر القيمة التاريخية لشاهنامه ويجعله مصدراً تاريخياً في سياقه التاريخي وليس فقط مصدراً أسطورياً وأدبياً.

قال: هذا العمل وكاتبه يندرجان ضمن عدد قليل من المستشرقين الإيرانيين الذين يعتقدون بأن شاهنامه له قيمة تاريخية. وعلى الرغم من ذلك، أعتقد أن من بين المؤرخين والكتّاب التاريخيين، يُعتبر ثيودور نيلدكه، المستشرق الألماني البارز، وشاهبور شهبازي الأكثر أهمية. يتطرق الكتاب إلى فرضيات ونظريات عديدة في عدة مجالات من بين هذه المسائل التركيز وعدم التركيز السياسي في عهد الساسانيين، ومسألة سقوط الساسانيين. وكل من هاتين المسألتين تشكلان تساؤلات كبيرة لم يتمكن أحد من الإجابة عليها بالشكل الصحيح والكامل.

وفي معرض حديثه عن إنجازات الكتاب أضاف زند: الكتاب حاول أن يتناول التقويم الزمني للعقود الأولى من الفترة الإسلامية، من زمن النبي محمد حتى الفتوحات، والخلفاء الراشدين، ونقاش الفتوحات بشكل نقدي. ويعتقد أن هذا التقويم يحتوي على أخطاء وتناقضات لم نأخذها بعين الاعتبار. لقد لاحظوا ذلك، وكانوا يعتقدون أن الطبري قد أخطأ، وأن المصدر الرئيسي له، وهو سيف بن عمر (راوي فتوحات إيران)، كان مخطئًا، أو أن العملات الساسانية كانت خاطئة. كيف يمكن أن تتناقض معلومات السكه الساسانية مع ما نعرفه عن سقوط خسرو برويز وظهور شيرويه، في حين أن المعلومات التي تعطينا إياها الفتوحات الإسلامية تتعارض مع ذلك؟ وهناك تقريبًا فارق زمني من ثلاث إلى أربع سنوات.

واستمر قائلاً: الفارق الزمني لمدة أربع سنوات ليس صغيرًا وإحدى أهم القضايا هي: هل بدأت الفتوحات في حياة النبي محمد ، أم بعد وفاته في خلافة أبي بكر وعمر؟ يُظهر لك الكتاب أن بداية الفتوحات كانت قبل أن يصل الخلفاء الراشدون إلى السلطة، وهذا أمر بالغ الأهمية. يتحدى هذا الكتاب النظرية السائدة حول سبب الفتوحات وانتصارات جيش العرب والنظرية تشير إلى أن صحة وديانة الإسلام في نظر الجنود والقادة، وسرعة الفتوحات التي تحققت، وعالميتها واحتوائها على إيران، يطرح تحديات كبيرة.

ثم، تحدث المتحدث التالي، میثم لباف ‌خانکی من مجموعة الآثار بجامعة طهران، وقال: هناك عبارة شكاوى في مقدمة كتاب السيدة بورشريعتى حول النظرة الوضعية لعلماء الآثار، حيث قالوا إنه قد يكون لهذه النظرة أحيانًا تأثيرات سلبية على التاريخ. وفي حديث السيدة الدكتورة بورشريعتى، لاحظنا إشارات لعلماء الآثار، ولكنني أعتقد أن لها ولغيرها من المؤرخين الحق في عدم القدرة على الاستناد إلى هذه الإشارات بسبب انقطاع التواصل بين علماء الآثار والمجالات الأخرى من العلوم الإنسانية مثل التاريخ.

وإلى دراسة الأختام والعملات أيضًا تم الإشارة إليها في الكتاب، حيث نرى فيه إشارات دقيقة وملاحظات مهمة تم استخدامها كأساس للمناقشات التاريخية، ولكن ما يزال غياب العمارة والتخطيط الحضري في هذا الكتاب واضحًا، وربما يكون السبب في ذلك يعود إلى علماء الآثار. وأضاف لباف خانكي قائلاً: الآثار الفنية مثل الأواني المعدنية والنقوش البارزة مثل النقوش الحجرية، والرسوم الجدارية، وكسر الفخار التي نراها يمكن أن تشكل نظرتنا لتاريخ العصور المختلفة للثقافة الإيرانية، وللأسف قد يكون ذلك ناتجًا عن تقصير علماء الآثار، مع وجود النظرة السائدة بين عامة الناس عن علم الآثار، حيث يظنون أنه ربما يكون مهنة تقتصر على ملء واجهات المتاحف أو على التعرف على تاريخ الفن الإيراني فقط."

وتابع میثم لباف ‌خانکی: الدكتورة پور‌شريعيتي هي واحدة من المؤرخين القلائل الذين أولوا اهتمامًا بالمواد الثقافية والاكتشافات الأثرية، وفي مرحلة من دراساتها، أولت اهتمامًا لنقوش صخرية في منطقة لاخ‌مزار. وفي أطروحة الماجستير الخاصة بي، التي كانت محور دراستها تحليل سهل نيشابور ودراسة الفخار فیها في فترة ساسانية، لاحظت مدى تأثير التقاليد المحلية والعرفية على تقاليد الفخار في خراسان. وفي علم الآثار في خراسان، وخاصة في مجال النقوش اللغوية وعلم اللغات، نلاحظ في لاخ‌مزار أثرًا يعود إلى نفس فترة ساسانية ولكنه كُتب باللغة الفارسية القديمة (البهلوي) خلال فترة الأشكانيين، مما يشير إلى أن التقاليد التي كانت قائمة قبل الحقبة الساسانية، والتي كانت مبنية على أسس متينة، لم تتأثر كثيرًا بالتوجهات المركزية والغالبية التي سادت في فترة الساسانيين..

قال خانکی: إذا نظرنا بعمق إلى فلسفة إيران والروح التي تحكم هويتها، سنرى أن وجود هذه الأسر الحاكمة، والمجالات الثقافية المختلفة، والتنوع والتعدد في القوميات واللغات والعادات والتقاليد والأديان قد شكلت إيران، وأن جوهر إيران نفسه هو هذا التعدد. إن وجود الساسانيين، والفرس الأخمينيين، والبارسيين، وغيرها من الحكومات القوية التي وضعت أسس هويتها على أساس قوتها كان أمراً بديهياً، وهو أمر ربما نحن اليوم غافلون عنه. هذا التعدد التاريخي والتنوع هو ما يعطي معنى لإيران، وإذا حاولنا إنكاره فقد نبتعد عن جوهر وفلسفة إيران.

وأضاف عن هذا التعدد التاريخي قائلاً: إن رؤية هذا التعدد الذي ظل محفوظاً في تاريخ إيران والذي في الوقت نفسه حفظ إيران ووصل إلينا يدل دلالة قاطعة ومثبتة على أننا يمكن أن نراه في جوهر وفلسفة إيران، وأطلق على ذلك اسم «روح إيران» وهو الشيء الذي كان جارياً في أركان إيران، وعلينا أن نضعه أساساً للحفاظ على إيران وحمايتها.

وقالت آخر متحدثة البرنامج، آوا واحدي ‌نوايي، مترجمة الكتاب، عن تعرّفها على الكتاب: "في عام 2009، كنتُ مع أحد أصدقائي الذي كان يدرس دكتوراه في علم الأحياء الخلوي والجزيئي في نيويورك. كنتُ أذهب إلى المكتبة وأحاول قراءة المصادر التي لم يكن لديّ وصول إليها في إيران. رأيتُ كتاب السيدة الدكتورة هناك وأُعجبتُ به بشدة؛ كأنَّه بعد فترة طويلة من اليأس والحزن على إيران التي لا تهتم بها، وعلى الدراسات الإيرانية التي أصبحت في هذا الوضع، كان هذا الكتاب بمثابة شعاع أمل بالنسبة لي. الكتاب الذي ألفته السيدة الدكتورة يبدو وكأنَّه مختصر لعشرة كتب، ويحتوي على الكثير من الحوافز والأفكار البحثية.

وأضافت واحدي ‌نوايي: النظام السابق كان متهمًا بالوطنية المتطرفة، ولكن بسبب الاهتمام الذي أولاه لإيران، وكذلك الازدهار السياسي والاقتصادي الذي تحقق، اجتمع كل ذلك ليجذب انتباه علماء إيران البارزين الذين جاء الكثير منهم إلى إيران بدون أغراض استشراقية، مما أدى إلى إجراء أبحاث ثمينة جدًا عن تاريخ وثقافة إيران.

أضافت: من جهة، كانت هناك مشكلة تتمثل في أن الإيرانيين كانوا يشعرون بالعجز أمام الغربيين، وكانوا يعتقدون أنه يجب عليهم الاستشهاد بالمصادر الأجنبية في كل كلمة وكتاب لكي يُسمع صوتهم؛ ومن جهة أخرى، كان هناك من لا يعرفون أساليب البحث الغربية ومنهجيات البحث الحديثة، وكانوا يكتبون باستخدام الأساليب التقليدية، ولأن تلك الكتابات لم تحتوي على حجج قوية، تم رفض تلك النظريات بسرعة. وكان من المهم جدًا للدكتورة أن يصل هذا الكتاب إلى الإيرانيين وأن يقرأه الإيرانيون بالتحديد.